أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

209

العقد الفريد

لم نرزه لمّا رزينا وحده * وإن استقلّ به المنون وحيدا « 1 » لكن رزينا القاسم بن محمد * في فضله والأسود بن يزيدا وابن المبارك في الرّقائق مخبرا * وابن المسيّب في الحديث سعيدا والأخفشين فصاحة وبلاغة * والأعشيين رواية ونشيدا كان الوصيّ إذا أردت وصيّة * والمستفاد إذا طلبت مفيدا ولّى حفيظا في الأذمّة حافظا * ومضى ودودا في الورى مودودا « 2 » ما كان مثلي في الرّزيّة والد * ظفرت يداه بمثله مولودا حتى إذا بذّ السّوابق في العلا * والعلم ضمّن شلوه ملحودا يا من يفنّد في البكاء مولّها * ما كان يسمع في البكا تفنيدا « 3 » تأبى القلوب المستكينة للأسى * من أن تكون حجارة وحديدا إنّ الذي باد السّرور بموته * ما كان حزني بعده ليبيدا ألآن لما أن حويت مآثرا * أعيت عدوّا في الورى وحسودا ورأيت فيك من الصّلاح شمائلا * ومن السّماح دلائلا وشهودا أبكي عليك إذا الحمامة طرّبت * وجه الصّباح وغرّدت تغريدا لولا الحياء وأن أزنّ ببدعة * مما يعدّده الورى تعديدا « 4 » لجعلت يومك في المنائح مأتما * وجعلت يومك في الموالد عيدا وقلت فيه أيضا : لا بيت يسكن إلّا فارق السّكنا * ولا امتلا فرحا إلّا امتلا حزنا لهفي على ميّت مات السرور به * لو كان حيّا لأحيا الدين والسّننا واها عليك أبا بكر مردّدة * لو سكّنت ولها أو فتّرت شجنا إذا ذكرتك يوما قلت وا حزنا * وما يردّ عليك القول وا حزنا يا سيّدي ومراح الروح في جسدي * هلّا دنا الموت منّي حين منك دنا !

--> ( 1 ) رزأه : أصابه برزء ، والرزء : المصيبة . ( 2 ) الأذمة : جمع ذمام ، وهو العهد والأمان والكفالة . ( 3 ) يفند في البكاء : يعكف عليه . ( 4 ) أزن : اتهم .